النظريتان المنتميتان إلى تقليدين فكريين متمايزين -علم النفس الوجودي والفلسفة الإسلامية -قد تناولتا كلّ على نحو مستقل بنية الوجود الإنساني واضطراباته الوجودية الأساسية. إنّ المقارنة بين هذين النسقين المفهوميّين تتيح تحليلاً أعمق لمقولات محورية مثل الموت، والحرية، والوحدة، واللامعنى، كما توفّر أرضيّة ملائمة لتشكيل مقاربة تركيبية في الدراسات البينيّة والثقافية في مجال النفس الإنسانية. تعتمد هذه الدراسة على منهج التحليل المقارن، وتسعى في سياق تفاقم أزمة المعنى، وتصاعد الإحساس بالعزلة، وتنامي القلق الوجودي في الواقع المعاصر، إلى مقاربة هذه الاضطرابات الجوهرية من خلال قراءة مقارنة في رؤى اثنين من المفكّرين البارزين: إرفين يالوم، ممثّل المدرسة الوجودية في العلاج النفسي، والعلّامة محمد تقي الجعفري، بوصفه أحد أعلام الفكر الفلسفي الإسلامي. ويتمثّل الهدف الرئيس من هذا البحث في تحليل مناطق التداخل والاختلاف المفهومي والمنهجي بين الرؤيتين، وتقييم قابليتهما للتوظيف في مجالات العلاج النفسي المرتكز إلى الروحانيّة، والتربية، وفلسفة الحياة المعاصرة؛ وهي مقاربة تسهم، فضلاً عن دعم الحوار الحضاري، في إعادة إنتاج معرفة محلية في مواجهة المسائل الوجودية للإنسان الحديث، ونقد أبعاد الحداثة المنفصلة عن الإنسان. وتظهر نتائج البحث أنّ يالوم، من خلال تأكيده على الاستبطان، وتحمل المسؤولية، والسعي نحو المعنى، يقدّم إطاراً علاجياً نفسياً متمركزاً حول الفرد؛ بينما يقترح العلامة الجعفري، من خلال تحليله الوجودي لمصدر القلق، حلولاً تقوم على استعادة الصلات الوجودية بين الإنسان وربّه، والكون، والذات، والآخرين. وعليه، فإنّ رؤية يالوم تجد تطبيقها في العلاج النفسي الحديث، بينما تستخدم رؤية الجعفري في إعادة بناء النظم المعنوية في إطار الثقافة الدينية. هذا التمايز يفتح المجال لتكامل نظري خلاق، وتصميم تدخلات علاجيّة قائمة على الروحانية.